السيد محمد تقي المدرسي

62

من هدى القرآن

وهذه آيات القرآن تبين لنا وتذكرنا بالرب ويهدي الله من يشاء إلى صراط مستقيم . والهداية لا تعني مجرد الاعتراف اللساني بل لابد أن تصدقه الطاعة عند القضاء ، فهنالك من يدعي الطاعة فإذا خالف الحق هواه أو مصالحه تولى . كلا . . ليس هؤلاء بالمؤمن فليس الإيمان هو الإذعان عند توافق المصلحة والتولي عند مخالفتها ، ولكن لماذا هذا التفريق ؟ هل في قلوبهم مرض الحسد والحقد وحب الدنيا أم هم في ريب من صدق الرسالة ؟ أم يخافون من أن يظلمهم الرب في الحكم الذي يصدره الرسول ؟ الواقع أنهم يظلمون أنفسهم حين يتولون عن العدالة الإلهية . ما هي علامة الإيمان ؟ إنها الطاعة عندما يدعوهم الرسول ليحكم بينهم ، وهذا يوفر لهم الفلاح والفوز أيضاً إن هم أطاعوا الله ورسوله وخافوا الله واتقوه . ويبقى السؤال التالي : ما هي علاقة هذه الآيات بالمحور الرئيسي لسورة النور ، الذي كان الأسرة وما يدور حولها من قضايا اجتماعية وتربوية ؟ . وللإجابة على هذا السؤال يمكننا أن نقول : أولًا : إن القرآن لا يكتفي ببيان المعالجات التي ترفع الانحرافات الاجتماعية ، بل هو بذاته علاج لها وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين ولا يكتفي القرآن بإعطاء العلاجات الفوقية ، بل يسعى لعلاج الانحرافات جذريا ، من هنا نجد أن الآية القرآنية الواحدة تذكرنا بالحكم الشرعي ، كما تذكرنا بعقوبة الله أو بثوابه . فالحكم بيان للعلاج ، ولكن التهديد بالعقاب والترغيب في الثواب هو ذاته علاج ، لأن كلا من الترغيب والترهيب يعطي النفس البشرية شحنة من الإرادة القوية التي تقاوم الانحراف . وفي هذه السورة بالذات يحدثنا القرآن عن الأسرة الفاضلة والتي من ميزاتها أنها تؤمن بالله ، وأن البيت الذي يحويها هو بيت الإيمان الذي يذكر فيه اسم الله كثيرا . . وهذا علاج للانحراف الذي قد يقع في الأسرة داخل المجتمع ، والعلاج هو : أن الانحرافات البشرية يجب أن يزيلها الإيمان بالله مع الذكر والتسبيح . بيد أن القرآن لا يكتفي بذلك ، بل يقوم بإعطاء العلاج ذاته عبر بث روح الإيمان في قلب الناس ، فنراه يحدثنا طويلا عن الإيمان بالله ، وعن التذكرة بالقيم الحقيقية ، وعن التوجه إلى